كشف تحالف دولي من علماء الأعصاب وعلماء الحاسوب والمتطوعين يُعرف باسم ائتلاف FlyWire عن أول مخطط توصيل مشبكي كامل خلية بخلية —أو ما يُعرف بالكونيكتوم (Connectome)— لدماغ ذبابة فاكهة بالغة. ونُشر هذا الأطلس في مجموعة تاريخية من تسع أوراق بحثية في مجلة Nature بقيادة مشتركة من باحثين في جامعة برينستون وجامعة كامبريدج ومختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني (MRC)، ليرسم بدقة جميع الخلايا العصبية البالغ عددها 139,255 خلية و54.5 مليون مشبك عصبي في دماغ أنثى بالغة من نوع Drosophila melanogaster.
ورغم أن عرض دماغ ذبابة الفاكهة لا يتجاوز مليمتراً واحداً —وهو أصغر من بذرة الخشخاش— فإنه يضم نحو 149.2 متراً من الأسلاك البيولوجية المعقدة القادرة على التحكم في الطيران البهلواني والرؤية الثنائية والملاحة المكانية والذاكرة الترابطية وسلوكيات التودد. وقبل إنجاز FlyWire، اقتصرت الكائنات التي رُسمت خرائط أدمغتها بالكامل على الدودة الأسطوانية Caenorhabditis elegans (302 خلية عصبية) والدودة البحرية Platynereis dumerilii ويرقة ذبابة الفاكهة (3,016 خلية عصبية).
المجهر الإلكتروني وتجزئة الصور بالذكاء الاصطناعي والمراجعة العالمية
بدأ بناء الخريطة اعتماداً على بيانات خام التقطها الباحث دافي بوك وزملاؤه عام 2018 في معهد هوارد هيوز الطبي، حيث قطعوا دماغ ذبابة واحدة إلى 7,050 شريحة فائقة الرقة بسماكة 40 نانومتراً وصوروها بالمجهر الإلكتروني النافذ عالي السرعة. ولتحويل تلك الصور البالغ عددها 21 مليون صورة إلى مخطط ثلاثي الأبعاد، طور أستاذا جامعة برينستون سيباستيان سونغ ومالا مورثي خوارزميات تعلم آلي لتتبع أغشية الخلايا والروابط المشبكية تلقائياً.
ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي وحده لا يزال يرتكب أخطاء في تتبع التفرعات الدقيقة، أنشأ فريق برينستون منصة تعاونية مفتوحة مكنت 287 باحثاً من أكثر من 140 مختبراً حول العالم —إلى جانب مشاركين في ألعاب العلوم التشاركية— من التدقيق اليدوي وتوصيف كل خلية عصبية. وصنّف الباحثون بقيادة غريغوري جيفريز في كامبريدج وفيليب شليغل دوائر الدماغ إلى 8,453 نوعاً خلوياً متميزاً، لم يكن أكثر من نصفها (4,581 نوعاً) موصوفاً من قبل.
“إذا أردنا أن نفهم كيف يعمل الدماغ، فنحن بحاجة إلى فهم آلي لكيفية ارتباط جميع الخلايا العصبية معاً لتمكينك من التفكير. إن امتلاك الكونيكتوم الكامل للذبابة البالغة يمثل نقطة تحول في علم الأعصاب.” — سيباستيان سونغ، أستاذ علم الأعصاب وعلوم الحاسوب في جامعة برينستون
محاكاة الإشارات العصبية وتمهيد الطريق لخريطة دماغ الثدييات
وأظهرت الدراسات المصاحبة في ملف مجلة Nature القدرة التنبؤية العالية لقاعدة البيانات المفتوحة؛ ففي إحدى التجارب، بنى باحثو برينستون نموذجاً حاسوبياً لكامل الخريطة تنبأ بدقة تزيد عن 90 بالمئة بالدوائر الحركية التي ستنشط عند تحفيز مستقبلات التذوق الحلو أو المر، وهو ما تطابق مع التسجيلات الحية للدماغ. كما تتبعت أوراق أخرى المسارات البصرية الكاملة للألوان والحركة، فضلاً عن خلايا 'التوقف' العصبية التي تأمر الذبابة بالتوقف عن المشي.
ونظراً لأن ذبابة الفاكهة تتشارك نحو 60 بالمئة من حمضها النووي مع البشر —بما في ذلك ثلاثة أرباع الجينات المرتبطة بالأمراض البشرية المعروفة— يؤكد الباحثون أن هذه الخريطة توفر مخططاً لا غنى عنه لدراسة الاضطرابات العصبية واستلهام معماريات ذكاء اصطناعي موفرة للطاقة. واستناداً إلى الأدوات المطورة في مشروع FlyWire، يتطلع علماء الأعصاب الآن إلى الهدف الأكبر المتمثل في رسم خريطة دماغ الفأر بالكامل، والذي يضم نحو 70 مليون خلية عصبية.
Frequently Asked Questions
كم عدد الخلايا العصبية والمشابك التي تم رسمها في خريطة دماغ ذبابة الفاكهة البالغة؟
يوثق مخطط FlyWire جميع الخلايا العصبية البالغ عددها 139,255 خلية و54.5 مليون اتصال مشبكي داخل دماغ أنثى بالغة من ذبابة الفاكهة (Drosophila melanogaster).
لماذا تعتبر خريطة دماغ ذبابة الفاكهة البالغة طفرة كبرى في علم الأعصاب؟
قبل هذا الإنجاز، كانت أعقد خريطة دماغية كاملة تعود ليرقة ذبابة تضم 3,016 خلية عصبية فقط؛ بينما يكبرها دماغ الذبابة البالغة بنحو 50 ضعفاً ويتحكم في الطيران والرؤية والملاحة والذاكرة.

Comments (0)
Log in to join the discussion.